معايير السلامة في إكسسوارات الأطفال: دليل شامل للأمهات

14 يناير 2026
محمد النعمان
معايير السلامة في إكسسوارات الأطفال: دليل شامل للأمهات

مقدمة

إكسسوارات الأطفال قد تبدو بسيطة وجميلة، لكنها تحمل في طياتها جوانب سلامة مهمة لا يمكن التغاضي عنها. فسلامة الطفل تأتي أولًا قبل المظهر، وقد ظهرت حالات تعرض فيها الأطفال لمخاطر صحية بسبب إكسسوارات غير آمنة – مثل الاختناق بسبب قلادة أو تهيج الجلد بفعل معدن معين. لذا، أصبح الاهتمام بمعايير السلامة في إكسسوارات الأطفال ضروريًا لتجنب تلك المخاطر. في هذا المقال سنستعرض أحدث المعايير العالمية لهذه السلامة، والتحذيرات الرسمية بشأن المواد المستخدمة، وأفضل الخامات الآمنة لبشرة الصغار، إضافة إلى الأبحاث العلمية حول تأثير المواد على صحتهم. سنقارن أيضًا معايير السلامة في السوق السعودي والخليجي بالمعايير العالمية، ونقدم نصائح عملية للأمهات عند اختيار إكسسوارات لأطفالهن.



المواد الأكثر أمانًا لبشرة الأطفال

إن بشرة الأطفال الحساسة تتطلب مواد إكسسوارات هيبوالرجينيك (لا تسبب الحساسية) وخالية من السموم. هناك عدة خامات برزت كخيار آمن لمجوهرات الصغار، من أهمها:

  • المعادن الثمينة غير المسببة للحساسية: يُعتبر الذهب (خصوصًا عيار 14 أو 18 قيراط) والبلاتين من أكثر المعادن أمانًا، فهي نقية نسبيًا ولا تحتوي على شوائب النيكل التي تسبب الحساسية لكثير من الأطفال. كما أن الفضة الإسترلينية (عيار 925) خيار جيد لأنها تحتوي نسبة فضة عالية وكمية نحاس قليلة، مع ضرورة التأكد أنها غير مطلية بالنيكل. كثير من الأقراط للأطفال تكون مصنوعة من ذهب عيار 14 أو فضة سترلينغ مع طلاء حماية.


  • النحاس المطلي بالروديوم: النحاس معدن أساسي في كثير من الإكسسوارات لرخصه وسهولة تشكيله، لكن مشكلة النحاس الخام أنه قد يسبب تهيجًا للبشرة ويتأكسد مغيرًا لونه. الحل هو طلاؤه بطبقة من معدن الروديوم. الروديوم معدن ثمين فضي اللون مضاد للحساسية وعالي المقاومة للتآكل. طلاء قطعة نحاسية بالروديوم يعزل النحاس تمامًا عن الجلد ويمنع تعرض الطفل لمعدن قد يسبب حساسية، كما يحمي القطعة من الصدأ وتغير اللون. لذلك نرى كثيرًا من إكسسوارات الأطفال المصنوعة من فضة أو نحاس أبيض يتم طلاؤها بالروديوم لإكسابها خواص hypoallergenic وضمان بريقها الدائم.


  • الفولاذ المقاوم للصدأ (ستينلس ستيل) ذو الجودة العالية: يعد الفولاذ الجراحي (مثل درجة 316L) من الخيارات الشائعة الآمنة خصوصًا للأقراط. يتميز بصلابته ومقاومته للصدأ، ومع أنه يحتوي عادة نسبة من النيكل، إلا أنه مصمم بحيث يكون تحرير النيكل منه في حده الأدنى فلا يسبب تحسسًا. الكثير من الأهالي يفضلون أقراط الفولاذ الطبي لأطفالهم لخلوها من المواد الضارة وثبات لونها. ولكن يُنصح بالتأكد من كون الفولاذ خاليًا من النيكل قدر الإمكان أو مطابقًا للمعايير الطبية.


  • البلاستيك الطبي والخالي من السموم: بعض الأمهات يخترن إكسسوارات بلاستيكية آمنة لتفادي أي معدن تمامًا. على سبيل المثال، هناك أقراط بلاستيكية طبية مصممة للثقب الأول للأطفال تحتوي 0% نيكل وبالتالي لا تسبب أي رد فعل تحسسي. البلاستيك المستخدم في هذه الأقراط وغيرها يكون من نوع طبي أو جراحي، خالٍ من BPA والفثالات والمواد الضارة الأخرى. أيضًا تدخل السيليكون الغذائي ضمن المواد الآمنة – فنجد مثلاً سلاسل عضاضة من السيليكون مخصصة للتسنين بحيث يمكن للرضيع عضها بأمان لأنها خالية من المواد السامة. عمومًا، عند اختيار البلاستيك يجب التأكد أنه مصنف للاستخدام الغذائي أو الطبي لضمان عدم احتوائه مواد كيميائية قد تنتقل للطفل.


بشكل عام، عند شراء إكسسوار لطفلك ابحثي عن عبارة "خالي من النيكل والرصاص" أو "هيبوالرجينيك" على المنتج. الشركات الموثوقة ستفخر بالإعلان أن منتجاتها لا تحتوي معادن ثقيلة أو مواد ضارة. على سبيل المثال، جميع مجوهرات الأطفال عالية الجودة تكون خالية من الرصاص والنيكل والكادميوم حسب التشريعات الحديثة. اختاري الخامات المطليّة بالذهب أو الروديوم والتي تقاوم التآكل ولا تتفاعل مع الجلد. تجنبي الإكسسوارات الرخيصة المعدنية مجهولة التركيب لأنها غالبًا ما تحوي نسبًا عالية من السبائك الرديئة (مثل معدن النيكل أو الرصاص المخلوط) التي قد تسبب حساسية أو تسممًا بمرور الوقت. التزامك باختيار مواد آمنة يعني حماية بشرة طفلك الحساسة من التهيج وضمان راحته أثناء ارتداء الحُلي.


تأثير المواد على صحة الأطفال: ماذا تقول الأبحاث؟


أثبتت الدراسات العلمية والحالات الطبية أن بعض المواد في إكسسوارات الأطفال يمكن أن تشكل خطرًا حقيقيًا على صحتهم. من أبرز هذه المواد المعادن الثقيلة كالرصاص والكادميوم، وكذلك النيكل المسبب للحساسية. سنستعرض ما تقوله الأبحاث:

  • الرصاص وتأثيره العصبي: الرصاص معدن سام خاصة للأطفال حيث يمتص جسم الطفل النسبة الأكبر منه مقارنة بالبالغين. أظهرت بحوث طبية أن التعرض المزمن حتى لكميات صغيرة من الرصاص يمكن أن يؤدي إلى مشكلات خطيرة في النمو العصبي للطفل، تشمل تدني مستوى الذكاء ومشكلات في التركيز والسلوك. حالة مشهورة وقعت في أوائل الألفينات عندما توفي طفل صغير بعد ابتلاعه قلادة زينة تحوي نسبة رصاص عالية جدًا، مما أصابه بتسمم حاد. بعد تلك الحادثة سُنت قوانين صارمة تمنع وجود الرصاص بإكسسوارات الأطفال بنسبة تتجاوز أجزاء قليلة بالمليون. وتؤكد توصيات خبراء الصحة أن لا مستوى “آمن” للرصاص في جسم الطفل، فحتى تراكمات ضئيلة مع الوقت قد تؤثر على الدماغ. لذا فالفحوصات العشوائية للمجوهرات زهيدة الثمن كشفت أحيانًا وجود نسب رصاص غير مقبولة، ويتم سحب هذه المنتجات فورًا من الأسواق عند الكشف عنها.
  • الكادميوم ومخاطره التراكمية: الكادميوم معدن ثقيل آخر استُخدم بديلًا عن الرصاص في بعض المجوهرات الرخيصة بعد تشديد قيود الرصاص. لكن الدراسات وجدت أن الكادميوم أشد سمية على المدى الطويل؛ إذ يتراكم في الكلى والعظام ولا يخرج بسهولة من الجسم. أظهر بحث في جامعة أمريكية أنه عند محاكاة قيام طفل بعضّ أو ابتلاع أجزاء من حُلي تحوي كادميوم، أطلقت بعض القطع كميات هائلة وخطيرة من الكادميوم تفوق الحدود المسموح بها بآلاف المرات. إحدى العينات أطلقت نحو 63 مليغرامًا من الكادميوم عند تضرر طلاء القطعة، وهي كمية قد تسبب تلفًا خطيرًا للكلى والعظام إذا ابتلعها الطفل. وبينت النتائج أن تلف الطبقة الخارجية للمجوهرات (كالطلاء) يزيد بشكل حاد من معدل تسرب الكادميوم منها. وتربط الأبحاث التعرض للكادميوم لدى الأطفال بمشكلات مثل تأخر النمو العصبي وانخفاض معدل الذكاء وحتى اضطرابات في كثافة العظام لدى التعرض طويل الأمد. بناءً على ذلك، حظرت أوروبا تمامًا استخدام الكادميوم بنسبة تتجاوز 0.01% في أي مجوهرات، بينما وضعت الولايات المتحدة حدودًا مشددة على نسبه المسموحة وألزمت باختبارات تحرر المعدن في اللعاب أو المعدة. الرسالة واضحة: لا مجال للتهاون مع الكادميوم في مقتنيات الأطفال.


  • النيكل والحساسية الجلدية: النيكل هو أكثر المعادن المتسببة في التهاب الجلد التحسسي لدى الأطفال والبالغين على حد سواء. وتشير الإحصائيات الطبية إلى أن نسبة تصل لـ20% من الأطفال الذين يتم ثقب آذانهم تتطور لديهم حساسية ضد النيكل. تبدأ القصة عادةً بأقراط تحتوي النيكل (سواء في معدن القفل أو الطلاء) مما يؤدي لظهور طفح جلدي أحمر وحكة شديدة في شحمة الأذن بعد يومين تقريبًا من التعرض. هذه الحساسية للأسف دائمة؛ فمجرد أن يطورها الطفل يبقى متحسسًا من النيكل مدى الحياة، مما يعني أنه سيتوجب عليه مستقبلاً تجنب المجوهرات أو الأزرار أو الأدوات التي تحتوي هذا المعدن. وقد أكدت الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية أن nickel هو السبب الأول لالتهاب الجلد التماسي التحسسي وأن انتشار ثقوب الأذن في سن مبكرة ساهم في رفع معدلات التحسس عند الفتيات بشكل خاص. لذلك نرى الاتحاد الأوروبي قد سن توجيه النيكل منذ 1994 لضبط كمياته المسموح بتحررها من الإكسسوارات التي تلامس الجلد. كما ينصح أطباء الجلد دوماً باستخدام أقراط مصنوعة من معادن نقية أو بلاستيك طبي عند ثقب أذني الرضع أو الأطفال لتفادي هذا الخطر. إذا لاحظتِ أي احمرار أو تورم على جلد طفلك تحت الإسوارة أو عند موقع الحلقة، فقد يكون لديه تحسس من مادة في الإكسسوار وينبغي التوقف عن استخدامها فورًا واستشارة الطبيب.


  • مواد أخرى ودراسات متنوعة: بجانب ما سبق، تطرقت أبحاث أخرى لمواد مثل الفثالات (التي قد تتواجد في أجزاء بلاستيكية من الحلي) وأثرها المحتمل على الهرمونات، لذا حدّت القوانين الأمريكية من وجودها بأكثر من 0.1% في إكسسوارات الأطفال البلاستيكية. أيضًا تم التحذير من المغناطيسات القوية في بعض المجوهرات، حيث لو ابتلع الطفل قطعتين مغناطيس قد تلتصقا داخل أمعائه وتسببان ثقبًا أو انسدادًا خطيرًا؛ لذا يمنع المعيار ASTM وجود مغناطيسات سائبة أو قابلة للانفصال في حُلي الأطفال. خلاصة الدراسات العلمية: صحة الأطفال يمكن أن تتأثر سلبًا بعدة طرق بسبب إكسسوارات غير آمنة – إما تسممًا كيميائيًا تدريجيًا أو حوادث حادة – وبالتالي وجب اختيار المنتجات بعناية فائقة والالتزام بالمعايير الموثوقة المبنية على تلك الأبحاث.


نصائح عملية عند شراء إكسسوارات للأطفال


أخيرًا، نقدم للأمهات مجموعة من التوصيات العملية لضمان اختيار إكسسوارات آمنة ومناسبة للأطفال من مختلف الأعمار:

  • اختيار الخامة بعناية: احرصي على شراء الإكسسوارات المصنوعة من مواد هيبوالرجينيك وآمنة مثل الذهب عيار 14 أو 18، الفضة الإسترلينية المطلية بالروديوم، فولاذ جراحي عالي الجودة، أو بلاستيك طبي خالٍ من السموم. ابتعدي عن الحلي الرخيصة المعدنية التي لا توضح مكوناتها – فقد تحتوي على الرصاص أو النيكل بنسب عالية. ابحثي عن عبارات مثل “خالٍ من النيكل والرصاص” على عبوة المنتج، وتجنبي أي منتج مشكوك فيه من الباعة غير الموثوقين.


  • انتبهي للوزن والحجم: يجب أن تكون الإكسسوارات خفيفة الوزن وصغيرة الحجم بحيث لا تُثقِل على الطفل. فالقطع الثقيلة قد تسبب انزعاجًا للرضيع أو تجذب انتباهه لمحاولة نزعها، مما قد يؤدي لخدوش أو إصابات. على سبيل المثال، يُفضل اختيار أقراط صغيرة وخفيفة للأطفال الرضع لكي لا تشد شحمة الأذن إلى الأسفل. وبالنسبة للقلائد، يُنصح عمومًا بتجنب وضع قلادة على رضيع أو طفل صغير تمامًا (خاصة تحت 3 سنوات)، وإن كان لا بد فيجب أن تكون قصيرة نسبيًا حتى لا تصل لفمه أو تلتف حول عنقه.


  • تجنب التصاميم الخطرة: ابتعدي عن الإكسسوارات التي تحوي قطعًا صغيرة قابلة للانفصال مثل الخرز الضعيف التثبيت أو المعلقات الصغيرة غير المثبتة جيدًا، لأن الطفل قد يخلعها ويضعها في فمه في أي لحظة. كما يفضّل تجنب الأقراط المتدلية أو الحلقات الكبيرة للأطفال الصغار لأنها تجذب الطفل لسحبها وقد تسبب جرحًا للأذن أو تمزقًا لثقبها. الخيار الأنسب لطفلة صغيرة هو أقراط الأزرار (Studs) الصغيرة الملتصقة بالأذن بدلًا من الحلقات أو المعلقات الطويلة. كذلك تأكدي أن الإكسسوار خالي من الحواف الحادة أو الزوايا التي قد تخدش جلد الطفل أو عينه أثناء لعبه وملامسته لوجهه.


  • مراعاة عمر الطفل وظروف الاستخدام: لكل مرحلة عمرية احتياجات مختلفة. فالرضيع أقل من سنة لا يُنصح بوضع أي قلادة أو إسوارة في يده دون إشراف مباشر. وإذا رغبتِ بإلباسه إسوارة لمناسبة معينة مثلاً، راقبيه باستمرار وتأكدي من نزعها عند نومه أو عدم مراقبته. للأطفال الأكبر سنًا قليلًا (3-5 سنوات)، تجنبي الإكسسوارات أثناء اللعب والنشاطات الحركية لكي لا تتسبب في تعثرهم أو تعلقها بالألعاب. علِّمي طفلكِ أيضًا عدم وضع الحلي في فمه وأنها للزينة فقط. ومع الأطفال الأكبر (سن المدرسة)، أشركيهم في اختيار القطع الآمنة وعرّفيهم لماذا اخترتِ هذه المادة أو ذاك التصميم – لزرع وعي السلامة لديهم مبكرًا.


  • الشراء من مصادر موثوقة: اقتني إكسسوارات الأطفال من متاجر معروفة أو علامات تجارية تخصصت في مجوهرات الأطفال الآمنة. هذه الجهات غالبًا ما تلتزم بالمعايير الدولية، وتوفر معلومات واضحة عن المواد المستخدمة وشهادات الاختبار. على سبيل المثال، بعض الشركات ترفق شهادة اختبار مع المنتج تثبت خلوه من الرصاص والنيكل والكادميوم وفقًا لمواصفات السلامة. أيضًا تحققي من وجود علامات الجودة مثل علامة CE في حال الاستيراد من أوروبا أو علامة الجودة السعودية/SASO عند الشراء محليًا والتي تدل على اجتياز المنتج للفحوص المطلوبة.


باتباع هذه النصائح والإرشادات، يمكنكِ كأم الجمع بين أناقة طفلك وسلامته في آن واحد. اختيار الإكسسوار الآمن مسؤولية كبيرة، لكنه أصبح أسهل اليوم بفضل توفر المعلومات والمعايير الواضحة. تأكدي دائمًا أن سلامة طفلك هي الأهم، وأي زينة أو إضافة يجب ألا تأتي أبدًا على حساب صحته وأمنه.


خاتمة

سلامة الأطفال في كل ما يرتدونه أو يلامسونه هي أولوية لا تقبل المساومة. إكسسوارات الأطفال قد تبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنها قد تحمل تأثيرات كبيرة على صحة وسلامة أحبائنا الصغار. استعرضنا في هذا المقال أحدث المعايير العالمية والمحلية التي وُضعت لحمايتهم، ورأينا كيف شددت المنظمات والهيئات الصحية على تجنب المواد الخطرة والتصاميم غير الآمنة. كما تعرفنا على الخامات الآمنة لبشرة الأطفال الحساسة مدعومة بالأبحاث العلمية والتجارب. وأخيرًا، قدمنا نصائح عملية تساعد الأمهات والآباء على اتخاذ قرارات مدروسة عند شراء إكسسوارات لأطفالهم – قرارات تحافظ على براءة أناقة الصغار بدون أي ثمن صحي. تذكري دومًا أن وعي الوالدين هو خط الدفاع الأول في حماية الأطفال؛ فحين نحرص على اختيار المنتج الآمن ومراقبة استخدامه، نمنح أطفالنا فرصة الاستمتاع بالزينة والمرح بلا مخاطر. اجعلي شعارك دائمًا: جمال طفلك يكتمل بسلامته وصحته أولًا وأخيرًا.